حسن حسني عبد الوهاب
65
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
( 699 م ) وكان تخطيطه هذا في غاية من البساطة على ما جرت به العادة والضرورة في منشآت الغزاة السابقين إذ كانت هممهم منصرفة بكليتها إلى عمليات الفتح وتمهيد البلاد ، لا إلى البناءات وزخرفتها ، ثم أعاد بناءه بأحسن من ذي قبل القائد الأموي الآخر ( عبيد اللّه بن الحبحاب ) في سنة 116 ه ( 734 م ) على التحقيق " 1 " وفي آخر الأمر جدّده من أصله وزخرفه الأمير الأغلبي ( أبو إبراهيم أحمد بن محمد ) وأتم بنيانه أخوه زيادة اللّه الثاني في سنة 250 ه ( 864 م ) حسبما تشير إليه الكتابة - الكوفية المرسومة بالحرف الغليظ على دائرة قبة المحراب ، ونصّها : " بسم اللّه الرحمن الرحيم ، مما أمر بعمله الإمام المستعين باللّه أمير المؤمنين العباسي ، طلب ثواب اللّه وابتغاء مرضاته على يدي نصير مولاه سنة خمسين ومائتين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ، صنعه فتح البناء " . وهنا نرى لزاما علينا أن نرفع التباسا سرى في أذهان التونسيين وغيرهم من أن إعادة بناء جامع الزيتونة على الهيئة التي نعرفها منه اليوم تقريبا هي من أعمال الخليفة ( المستعين باللّه ) العباسي ، وذلك لما يقرأ من الكتابة الكوفية المتقدمة . والواقع أن هذا التجديد الكليّ هو من عمل الأمير الأغلبي أبي إبراهيم أحمد ، سادس أمراء الأسرة المتولي سنة 242 ه ( 856 م ) وهو ذلك البنّاء الكبير الذي اشتهر باجتهاده في عمارة البلاد وبولوعه لإنشاء المعالم العمرانية الجليلة كمصانع المياه والحصون وأسوار المدائن وخصوصا الجوامع ، منها جوامع سوسة وصفاقس ، وبزيادته المعتبرة في مسجد عقبة بالقيروان وغير ذلك ، وكان قبل وفاته بقليل أقبل على جامع الزيتونة ووجّه إليه عناية خاصّة وشاء أن يجعله مثيل جامع القيروان ونظيره في الطراز والزخرف لكن المنية أدركته - سنة 249 ه - قبل الانتهاء من البناء والزخرف ، فلما تولى أخوه زيادة اللّه الثاني الإمارة من بعده أتمّ ما بقي من
--> ( 1 ) لا أدري لماذا أرخ أصحاب الأخبار التونسيين قدوم ( عبيد اللّه بن الحبحاب ) واليا على إفريقية والمغرب سنة 114 ، وهو وهم واضح ، لأن ابن الحبحاب في ذلك التاريخ ما زال متوليا مصر من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك ، ولم يفارق أرض الكنانة إلى تونس إلا في خلال سنة 116 ه بالضبط . راجع فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم [ ص 217 ] .